الغزالي

142

إحياء علوم الدين

صوت غفل لا معنى له فلم لا يجوز سماع صوت يفهم منه الحكمة ، والمعاني الصحيحة ، وإن من الشعر لحكمة ، فهذا نظر في الصوت من حيث إنه طيب حسن الدرجة الثانية : النظر في الصوت الطيب الموزون ، فإن الوزن وراء الحسن ، فكم من صوت حسن خارج عن الوزن ، وكم من صوت موزون غير مستطاب ، والأصوات الموزونة باعتبار مخارجها ثلاثة ، فإنها إما أن تخرج من جماد كصوت المزامير والأوتار وضرب القضيب والطبل وغيره ، وإما أن تخرج من حنجرة حيوان وذلك الحيوان إما إنسان أو غيره كصوت العنادل والقماري وذات السجع من الطيور ، فهي مع طيبها موزونة متناسبة المطالع والمقاطع ، فلذلك يستلذ سماعها ، والأصل في الأصوات حناجر الحيوانات ، وإنما وضعت المزامير على أصوات الحناجر ، وهو تشبيه للصنعة بالخلقة ، وما من شيء توصل أهل الصناعات بصناعتهم إلى تصويره إلا وله مثال في الخلقة التي استأثر الله تعالى باختراعها ، فمنه تعلم الصناع وبه قصدوا الاقتداء ، وشرح ذلك يطول ، فسماع هذه الأصوات يستحيل أن يحرم لكونها طيبة أو موزونة فلا ذاهب إلى تحريم صوت العندليب وسائر الطيور ، ولا فرق بين حنجرة وحنجرة ، ولا بين جماد وحيوان ، فينبغي أن يقاس على صوت العندليب الأصوات الخارجة من سائر الأجسام باختيار الآدمي ، كالذي يخرج من حلقه أو من القضيب والطبل والدف وغيره ، ولا يستثنى من هذه [ 1 ] إلا الملاهي والأوتار والمزامير التي ورد الشرع بالمنع منها ، لا للذتها ، إذ لو كان للذة لقيس عليها كل ما يلتذ به الإنسان ، ولكن حرمت الخمور واقتضت ضراوة الناس بها المبالغة في الفطام عنها حتى انتهى الأمر في الابتداء